أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
111
نثر الدر في المحاضرات
دواد حتّى عفا عنه . وأعطاه ، وولاه ، وخرج على الناس بالخلع وهم ينتظرون رأسه . فقام بعد ذلك رجل إلى خالد ، فقال : يا سيّد العرب . فقال : ذلك ابن أبي دواد . وكان أبو العيناء يقول : كان أحمد بن أبي دواد إذا رأى صديقه مع عدوّه قتل صديقه . وقال أبو العيناء : ما رأيت مثل ابن أبي دواد من رجل قد مكّن في الدنيا ذلك التمكين ، كنت أراه في مجلس سقفه غير معرّى ، جالسا على مسح وأصحابه معه يتدرن القميص عليه فلا يبدّله ، حتى يعاتب في ذلك ، ليست له همة ولا لذة من لذات الدنيا إلا أن يحمل رجلا على منبر ، وآخر على جذع . وقال له المعتصم في أمر العباس بن المأمون : يا أبا عبد اللّه ؛ أكره أن أحبسه ، فأهتكه وأكره أن أدعه فأهمله . فقال له ابن أبي دواد : الحبس - يا أمير المؤمنين - فإن الاعتذار خير من الاغترار . وكان الأفشين يحسد أبا دلف ويبغضه للعربية ، والشجاعة والجود . فاحتال عليه حتّى شهد عليه بخيانة فجلس له ، وأحضره ، وأحضر السياف لقتله . وبلغ ذلك أحمد بن أبي دواد ، فركب مع من حضره من عدوله . ودخل على الأفشين وقد جيء بأبي دلف ليقتل . فوقف ، ثم قال : إني رسول أمير المؤمنين إليك بألا تحدث في القاسم حدثا حتّى تحمله إليه مسلّما . ثم التفت إلى العدول ، فقال : اشهدوا أنّي أديت الرسالة والقاسم حيّ معافى . وخرج فلم يقدم الأفشين عليه . وصار ابن أبي دواد من وقته إلى المعتصم ، فقال : يا أمير المؤمنين ، قد أديت عنك إلى الأفشين رسالة لم تقلها لي ، لا أعتدّ بعمل عملته خير منها ، وإنّي لأرجو لك يا أمير المؤمنين بها الجنة ، وخبره الخبر ، فصوب رأيه ، وأمر بالإفراج عن أبي دلف . وكان أحمد بن أبي دواد بعد ذلك يقرّظ أبا دلف ويصفه للمعتصم ، فقال له : يا أبا عبد اللّه ؛ إن أبا دلف حسن الغناء ، جيّد الضرب بالعود . فقال : يا أمير المؤمنين ، القاسم في شجاعته وبيته في العرب يفعل هذا !